محمد بن جرير الطبري

50

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

يأمرني بالخروج ، وجعل معها منيحا ، شيء لم يكتب فيه شيئا ، ثم استقسم بها حين يريد أن يخرج ، فإن خرج الذي يأمر بالمكث مكث ، وإن خرج الذي يأمر بالخروج خرج ، وإن خرج الآخر أجالها ثانية حتى يخرج أحد القدحين . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ وكان أهل الجاهلية إذا أراد أحدهم خروجا ، أخذ قدحا فقال : هذا يأمر بالخروج ، فإن خرج فهو مصيب في سفره خيرا ؛ ويأخذ قدحا آخر فيقول : هذا يأمر بالمكوث ، فليس يصيب في سفره خيرا ؛ والمنيح بينهما . فنهى الله عن ذلك ، وقدم فيه . حدثت عن الحسين بن الفرج ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ قال : كانوا يستقسمون بها في الأمور . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد : الأزلام قداح لهم كان أحدهم إذا أراد شيئا من تلك الأمور كتب في تلك القداح ما أراد ، فيضرب بها ، فأي قدح خرج وإن كان أبغض تلك ، ارتكبه وعمل به . حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ قال : الأزلام : قداح كانت في الجاهلية عند الكهنة ، فإذا أراد الرجل أن يسافر أو يتزوج أو يحدث أمرا ، أتى الكاهن ، فأعطاه شيئا ، فضرب له بها ، فإن خرج منها شيء يعجبه أمره ففعل ، وإن خرج منها شيء يكرهه نهاه فانتهى ، كما ضرب عبد المطلب على زمزم وعلى عبد الله والإبل . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن عبد الله بن كثير ، قال : سمعنا أن أهل الجاهلية كانوا يضربون بالقداح في الظعن والإقامة أو الشيء يريدونه ، فيخرج سهم الظعن فيظعنون ، والإقامة فيقيمون أن تستقسموا بالأزلام . وقال ابن إسحاق في الأزلام ما : حدثني به ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال : كانت هبل أعظم أصنام قريش بمكة ، وكانت على بئر في جوف الكعبة ، وكانت تلك البئر هي التي يجمع فيها ما يهدي للكعبة ، وكانت عند هبل سبعة أقداح ، كل قدح منها فيه كتاب : قدح فيه " العقل " إذا اختلفوا في العقل من يحمله منهم ضربوا بالقداح السبعة فإن خرج العقل فعلى من خرج حمله وقدح فيه : " نعم " للأمر إذا أرادوا يضرب به ، فإن خرج قدح " نعم " عملوا به ؛ وقدح فيه لا ، فإذا أرادوا أمرا ضربوا به في القداح ، فإذا خرج ذلك القدح لم يفعلوا ذلك الأمر . وقدح فيه : " منكم " . وقدح فيه : " ملصق " . وقدح فيه : " من غيركم " . وقدح فيه : المياه ، إذا أرادوا أن يحفروا للماء ضربوا بالقداح وفيها ذلك القدح ، فحيثما خرج عملوا به . وكانوا إذا أرادوا أن يجتبوا غلاما ، أو أن ينكحوا منكحا ، أو أن يدفنوا ميتا ، ويشكوا في نسب واحد منهم ، ذهبوا به إلى هبل ، وبمائة درهم وبجزور ، فأعطوها صاحب القداح الذي يضربها ، ثم قربوا صاحبهم الذي يريدون به ما يريدون ، ثم قالوا : يا إلهنا ، هذا فلان ابن فلان ، قد أردنا به كذا وكذا ، فأخرج الحق فيه ثم يقولون لصاحب القداح : اضرب ، فيضرب ، فإن خرج عليه " منكم " كان وسيطا ، وإن خرج عليه : " من غيركم " ، كان حليفا ، وإن خرج : " ملصق " ، كان على منزلته منهم ، لا نسب له ولا حلف ؛ وإن خرج فيه شيء سوى هذا مما يعملون به " نعم " عملوا به ؛ وإن خرج : " لا " ، أخروه عامهم ذلك ، حتى يأتوا به مرة أخرى ينتهون في أمورهم إلى ذلك مما خرجت به القداح . حدثني المثني ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله : وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ يعني : القدح ، كانوا يستقسمون بها في الأمور . القول في تأويل قوله تعالى : ذلِكُمْ فِسْقٌ يعني جل ثناؤه بقوله : ذلِكُمْ هذه الأمور التي ذكرها ، وذلك أكل الميتة والدم ولحم الخنزير وسائر ما ذكر في هذه الآية مما حرم أكله . والاستقسام بالأزلام . فِسْقٌ يعني : خروج عن أمر الله وطاعته إلى ما نهى عنه وزجر ، وإلى معصيته . كما : حدثني المثني : قال : ثنا عبد الله ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس : ذلِكُمْ فِسْقٌ يعني : من أكل من ذلك كله ، فهو فسق . القول في تأويل قوله تعالى : الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ . يعني بقوله جل ثناؤه :